الحلبي
374
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
خروجه صلى اللّه عليه وسلم كان في شوّال ، وكان ذلك موسما لبدر في كل سنة يحضره الناس ويقيمون به ثمانية أيام كما تقدمت الحوالة عليه . وحين خرج صلى اللّه عليه وسلم من المدينة استخلف عليها عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي ابن سلول رضي اللّه تعالى عنه ، وقيل عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه ، وخرج في ألف وخمسمائة من أصحابه ، وكان الخيل عشرة أفراس . وعند تهيؤ المسلمين للخروج قدم نعيم بن مسعود الأشجعي ، أي وكان ذلك قبل إسلامه رضي اللّه تعالى عنه ، وأخبر قريشا أن المسلمين تهيئوا للخروج لقتالهم ببدر ، فكره أبو سفيان الخروج لذلك ، وجعل لنعيم إن رجع إلى المدينة وخذل المسلمين عن الخروج لبدر عشرين بعيرا . وفي لفظ عشرة من الإبل وحمله على بعير ، أي وقال له أبو سفيان إنه بدا لي أن لا أخرج ، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا ، فيزيدهم ذلك جراءة ، فلأن يكون الخلف من قبلهم أحب إليّ من أن يكون من قبلي فالحق بالمدينة ، وأعلمهم أنا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا ، ولك عندي من الإبل كذا وكذا أدفعها لك على يد سهيل بن عمرو ، فجاء نعيم إلى سهيل بن عمرو ، فقال له : يا أبا يزيد تضمن لي هذه الإبل وانطلق إلى محمد وأثبطه ؟ قال نعم ، فقدم نعيم المدينة وأرجف بكثرة جموع أبي سفيان أي وصار يطوف فيهم حتى قذف الرعب في قلوب المسلمين ، ولم يبق لهم نية في الخروج ، واستبشر المنافقون أي واليهود ، وقالوا : محمد لا يفلت من هذا الجمع ، فجاء أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد سمعا ما أرجف به المسلمون وقالا له : يا رسول اللّه ، إن اللّه مظهر نبيه ومعز دينه ، وقد وعدنا القوم موعدا لا نحب أن نتخلف عنه ، فيرون أن هذا جبن ، فسر لموعدهم ، فو اللّه إن في ذلك لخيرة فسر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، ثم قال : والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي أحد ، فأذهب اللّه عنهم ما كانوا يجدون ، وحمل لواء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، وخرج المسلمون معهم بتجارات إلى بدر ، فربحت الضعف . ثم إن أبا سفيان قال لقريش : لقد بعثنا نعيما ليخذل أصحاب محمد عن الخروج ، ولكن نخرج نحن فنسير ليلة أو ليلتين ثم نرجع ، فإن كان محمد لم يخرج وبلغه أنا خرجنا فرجعنا ، لأنه إن لم يخرج كان هذا لنا عليه ، وإن خرج أظهرنا أن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام عشب ، قالوا : نعم ما رأيت ، فخرج أبو سفيان في قريش : أي وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا حتى انتهوا إلى مجنة ، أي بفتح الميم والجيم وتشديد النون : وهو سوق معروف من ناحية مرّ الظهران ، وقيل إلى عسفان ، ثم قال : يا معشر قريش لا يصلحكم إلا عام خصب ، ترعون فيه الشجر ، وتشربون فيه الماء ، وإن عامكم هذا عام جدب ، وإني راجع فارجعوا ، فرجع الناس ،